محمد متولي الشعراوي
4388
تفسير الشعراوى
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) ( سورة يس ) ولقائل أن يقول : كيف يخاطب اللّه شيئا وهو لم يكن بعد ؟ ونقول : إنه سبحانه قد علمه أزلا ، ووجوده ثابت وحاصل ، ولكن اللّه يريد أن يبرز هذا الموجود للناس ، فوجود أي شئ هو أزلي في علم اللّه ، وكأنه يقول للشئ : اظهر يا كائن للوجود ليراك الناس بعد أن كنت مطمورا في طىّ قدرتى . وسواء أكانت الكلمة بخلق الأسباب ، مثل خلق الشمس والقمر أم بخلق شئ بلا أسباب ، كعيسى - عليه السلام - فإنه « كلمة منه » أي كلمة تخطت نطاق الأسباب ؛ بأن ولدت سيدتنا مريم من غير رجل . وفي هذا تخط للأسباب ، ولذلك قال الحق سبحانه : بِكَلِمَةٍ مِنْهُ . ونعلم أن كل شئ لا يكون إلا بكلمة منه سبحانه ، ولكن بكلمة لها أسباب ، أو بكلمة لا أسباب لها . والكلمات هي أيضا الآيات التي فيها منهج الأحكام ، ولذلك يأتي قوله الحق : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 136 ) ( سورة البقرة ) ويروى لنا الأثر أن سيدنا موسى عليه السلام قال لربه : « إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب ، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد » « 1 » .
--> ( 1 ) ابن كثير في تفسير قوله تعالى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ . . إلخ .